الشيخ محمد رشيد رضا

313

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وفي الآية وجه عام غير خاص بالكافرين تقديره : ولو يعجل اللّه للناس الشر الذي يستعجلونه بذنوبهم المقتضية له من ظلم وفساد في الأرض وفسوق لأهلكهم كما قال في آية أخرى ( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) الآية ويدخل في المعنى هنا دعاؤهم على أنفسهم عند اليأس ودعاء بعضهم على بعض عند الغضب ، لو يعجله اللّه لهم لأهلكهم أيضا ( وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ ) * بربهم أو بنعمه عليهم فيما بخالف شرعه وسننه في خلقه ( إِلَّا فِي ضَلالٍ ) * أي ضياع لا يستجيبه اللّه لهم ، لحلمه ورحمته بهم . * * * وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً هذا بيان لغريزة الانسان العامة وشأنه فيما يمسه من الضر ، يعلم منه أن استعجال أولئك الناس بالشر تعجيزا لنبيهم ومبالغة في تكذيبه انما هو من طغيانهم الذي خرجوا فيه عن مقتضى طبيعتهم ، فهو يقول إن الانسان إذا أصابه من الضر ما يشعر بشدة ألمه أو خطره من إشراف على غرق وغيره من أنواع التهلكة ، أو شدة مسغبة ، أو إعضال داء ، دعانا ملحا في كشفه عنه في كل حال يكون عليه : دعانا مضطجعا لجنبه ، أو قاعدا في كسر بيته ، أو قائما على قدميه حائرا في أمره ، فهو لا ينسى حاجته إلى رحمة ربه ، ما دام يشعر بمس الضر ولذعه له ، ويعلم من نفسه العجز عن النجاة منه ، قدم من هذه الحالات الثلاث ما يكون الانسان فيها أشد عجزا وأقوى شعورا بالحاجة إلى ربه فالتي تليها فالتي تليها ، وثم حالة رابعة هي سعيه لدفع الضر من طريق الأسباب فلم تذكر لان الانسان غير المؤمن قلما يتذكر ما أودع في فطرته من الايمان بربه ذي السلطان الغيبي الذي هو فوق جميع الأسباب ويشعر بحاجته إلى اللجوء اليه ، ودعائه والاستغاثة به ، إلا عند عجزه عن الأسباب المسخرة له ، والمشركون باللّه تعالى أقل الناس تذكرا لذلك ، لأنهم عند عجزهم عن الأسباب العامة المعلومة ، يلجؤن إلى مظنة الأسباب الموهومة ، وهي المخلوقات المعبودة التي يعتقدون أن لها سلطانا غيبيا فوق الأسباب من جنس سلطان الرب الخالق عز وجل ، إما لذاتها وإما بما لها من المكانة عند اللّه ، والمثل مضروب هنا لهؤلاء فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كان الظاهر أن